الشيخ محمد هادي معرفة

60

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

القتل » وأعجب من الجميع عندهم قولهم : « القتل أنفى للقتل » . غير أنّ الآية أنست الجميع ، ونفت الكلّ « وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ » فهي أقلّ حروفا وأسهل تلفّظا . وفيها تعريف القصاص وتنكير الحياة ، دلالة على أنّ الهدف الأقصى أوسع من أمر القصاص وأعظم شأنا ، وهي الحياة ، حياة الإنسان الكريمة . واشتمالها على بيان النتيجة وعلى بيان الحقيقة ، وأنّ القصاص هو المؤدّي إلى الحياة ، دون مطلق القتل ، وغير ذلك ممّا تشتمل عليه من فوائد ولطائف . . . « 1 » هذا بالإضافة إلى ما لتعبير القرآن من محسّنات بديعية باهرة ، ليست في ذلك التعبير العربي . قال ابن الأثير : من الإيجاز ما يسمّى الإيجاز بالقصر ، وهو الذي لا يمكن التعبير عن ألفاظه بألفاظ أخرى مثلها ، وفي عدّتها ، بل يستحيل ذلك . وهو أعلى طبقات الإيجاز مكانا وأعوزها إمكانا ، وإذا وجد في كلام بعض البلغاء فإنّما يوجد شاذّا نادرا . والقرآن الكريم ملآن منه . « 2 » فمن ذلك ما ورد من قوله تعالى : « وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ » . فإنّ قوله تعالى : « الْقِصاصِ حَياةٌ » لا يمكن التعبير عنه إلّا بألفاظ كثيرة ، لأنّ معناه أنّه إذا قتل القاتل امتنع غيره عن القتل ، وكذلك إذا أيقن القاتل أن سوف يدفع حياته ثمنا لحياة من يقتل ، تردّد في ارتكاب القتل وربما أمسك عنه ، فكان في ذلك حياة للناس . ولا يلتفت إلى ما ورد عن العرب من قولهم : « القتل أنفى للقتل » . فإنّ من لا يعلم يظنّ أنّ هذا على وزن الآية ، وليس كذلك ، بل بينهما فرق من ثلاثة أوجه : الأول : أنّ « الْقِصاصِ حَياةٌ » لفظتان ، و « القتل أنفى للقتل » ثلاثة ألفاظ . الثاني : أنّ في قولهم « القتل أنفى للقتل » تكريرا ليس في الآية . الثالث : أنّه ليس كلّ قتل نافيا للقتل ، إلّا إذا كان على حكم القصاص . قال : وقد صاغ أبو تمام هذا المعنى الوارد عن العرب في بيت من شعره ، فقال :

--> ( 1 ) - الميزان ، ج 1 ، ص 442 . ( 2 ) - المثل السائر ، ج 2 ، ص 348 وص 252 - 353 .